الآلوسي

51

تفسير الآلوسي

الأوليات أن نوحاً عليه السلام أو من عمل السفينة ، والحق أنه لا قطع بذلك ، و - كل - منصوب على الظرفية و * ( ما ) * مصدرية وقتية أي كل وقت مرور ، والعامل فيه جوابه وهو * ( سخروا ) * وقوله سبحانه : * ( قَالَ إن تَسْخَرُواْ منَّا فَانَّا نَسْخَرُ منكُمْ ) * استئناف بياني كأن سائلاً سأل فقال : فما صنع نوح عليه السلام عند بلوغهم منه هذا المبلغ ؟ فقيل : قال : * ( إن تسخروا منا ) * لهذا العمل مباشرة أسباب الخلاص من العذاب * ( فانا نسخر منكم ) * لما أنتم فيه من الأعراض عن استدفاعه بالإيمان والطاعة ومن الاستمرار على الكفر والمعاصي ، والتعرض لأسباب حلول سخط الله تعالى التي من جملتها سخريتكم منا واستهزاؤكم بنا ، وإطلاق السخرية عليهم حقيقة ، وعليه عليه السلام للمشاكلة لأنها لا تليق بالأنبياء عليهم السلام ، وفسرها بعضهم بالاستجهال ؛ وهو مجاز لأنه سبب للسخرية ، فأطلقت السخرية وأريد سببها . وقيل : إنها منه عليه السلام لما كانت لجزائهم من جنس صنيعهم لم تقبح فلا حاجة لارتكاب خلاف الظاهر ، وجمع الضمير في * ( منا ) * إما لأن سخريتهم منه عليه السلام سخرية من المؤمنين أيضاً أو لأنهم كانوا يسخرون منهم أيضاً إلا أنه اكتفى بذكر سخريتهم منه عليه السلام ولذلك تعرض الجميع للمجازاة في قوله : * ( نسخر منكم ) * فتكافأ الكلام من الجانبين ، والتشبيه في قوله سبحانه : * ( كَمَا تَسْخَرُونَ ) * إما في مجرد التحقق والوقوع ، وإما في التجدد والتكرر حسبما صدر عن ملأ بعد ملأ ، وقيل : لا مانع من أن يراد الظاهر ولا ضرر في ذلك لحديث الجزاء ، ومن هنا قال بعضهم : إن في الآية دليلاً على جواز مقابلة نحو الجاهل والأحمق بمثل فعله ويشهد له قوله تعالى : * ( فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى ) * ( البقرة : 194 ) * ( وجزاء سيئة سيئة مثلها ) * ( الشورى : 40 ) * ( وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ) * ( النحل : 126 ) إلى غير ذلك ، والظاهر أن كلا الفعلين واقع في الحال . وقال ابن جريج : المعنى * ( إن تسخروا منا ) * في الدنيا * ( فانا نسخر منكم ) * في الآخرة ، وقيل : في الدنيا عند الفرق . وفي الآخرة عند الحرق ، قال الطبرسي : إن المراد من نسخر منكم على هذا نجازيكم على سخريتكم أو نشمت بكم عند غرقكم وحرقكم ، وفيه خفاء ، هذا وجوز أن يكون عامل * ( كلما ) * قال ، وهو الجواب ، وجملة * ( سخروا ) * صفة لملأ أو بدل من * ( مر ) * بدل اشتمال ون مرورهم للسخرية فلا يضركون السخرية ليست بمعنى المرور ولا نوعاً منه ، وأبو حيان جعل ذلك مبعداً للبدلية وليس بذلك ، ويلزم على هذا التجويز استمرار هذا القول منه عليه السلام وهو ظاهر ، وعلى الاعراب قيل : لا استمرار وإنما أجابهم به في بعض المرات ، ورجح بأن المقصود بيان تناهيهم في إيذائه عليه السلام وتحمله لأذيتهم لا مسارعته عليه السلام إلى الجواب * ( كلما ) * وقع منهم ما يؤذيه من الكلام ، وقد يقال : إن في ذلك إشارة إلى أنه عليه السلام بعد أن يئس من إيمانهم لم يبال باغضابهم ولذا هددهم التهديد البليغ [ بم بقوله : * ( فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ ) * * ( فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأتيه عَذَابٌ يُخْزيه ) * أي يفضحه . أو يذله أو يهلكه ، وهي أقوال متقاربة ، والمراد بذلك العذاب الغرق * ( وَيَحلُّ عَلَيْه ) * حلول الدين المؤجل * ( عَذَابٌ مُّقيمٌ ) * أي دائم وهو عذاب النار ، و * ( من ) * عبارة عنهم ، وهي موصولة في محل نصب مفعول للعلم ، وهو بمعنى المعرفة فيتعدى إلى واحد . وجوز ابن عطية أن يراد العلم المتعدي إلى مفعولين لكنه اقتصر على واحد ، وتعقبه في البحر بأنه لا يجوز حذف الثاني اقتصاراً لأن أصله خبر مبتدأ ، ولا اختصاراً هنا لأنه لا دليل على حذفه .